في عصرٍ تقوده التكنولوجيا، حيث الأسرع هو الأفضل، يُروَّج للذكاء الاصطناعي باعتباره الاختصار الأمثل. لكن في الفصول الدراسية، نادرًا ما تكون السرعة هي الهدف. بإمكان الآلة الحاسبة أن تحلّ مسألة رياضية في لحظة، لكن ذلك لا يساعد الأطفال على تعلّم كيفية الوصول إلى الحل بأنفسهم. لذا، حين اقتحم الذكاء الاصطناعي الساحة لأول مرة، أردنا أن نفهم كيف يمكن توظيفه بأكبر قدر من الفعالية في خدمة التعلّم. واستندت استجابتنا إلى عامين من البحث العالمي في أفضل السبل لتنمية مهارات التفكير لدى الأطفال.
وكانت الإجابة واضحة: في الفصول الدراسية، ليس الأسرع هو الأفضل دائمًا. يحتاج الأطفال إلى التفكير بأنفسهم قبل اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي.
بالتعاون مع كلية بوسطن، إحدى مؤسسات البحث التربوي الرائدة في العالم، تتبّعت دراستنا العالمية أكثر من 12,000 طفل من مدارس نورد أنجليا في 20 دولة. وأظهرت أن تعليم الأطفال أن يفكروا بأنفسهم وأن يفهموا أنفسهم بوصفهم متعلّمين يحقق فوائد واضحة وملموسة على أرض الواقع: إذ يتحسّن التعاون بنسبة 72%، والفضول بنسبة 70%، والتفكير النقدي بنسبة 68%.
وسرعان ما ظهرت أيضًا فوائد هائلة أخرى للطلاب وأسرهم. شهدت المدارس المشاركة في البحث ارتفاعًا في اندماج المعلمين وطول مدة بقائهم في مناصبهم، كما منح أولياء الأمور مدارسنا تقييمًا أعلى مما كان عليه من قبل. إنها حالة فوز مضمون أيًا كانت النتيجة.
تشكّل أبحاثنا الأساس الذي يقوم عليه تعليمنا الأطفال في مدارسنا أن يفكروا بأنفسهم قبل اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي. نضع الفضول والإبداع والتفكير النقدي والتعاطف في صميم عمليتي التعليم والتعلّم في مدارسنا البالغ عددها 90 مدرسة المنتشرة في 37 دولة.
نُعلّم طلابنا "الإلمام بالذكاء الاصطناعي"، أي "ماذا وكيف ولماذا ومتى" تُستخدم أدواته، دعمًا لتعلّمهم وإتقانهم للتكنولوجيا على حدٍ سواء. نؤمن بأن الذكاء الاصطناعي أداة تعلّم قوية عندما يقترن بالفكر النقدي المستقل.
إن نهجنا المتطوّر باستمرار والقائم على البحث يبني مهارات المستقبل، ويُعدّ طلابنا للانطلاق بثقة أكبر إلى عالم العمل.
يقول ليام كولينان، الذي شغل حتى وقت قريب منصب مدير مدرسة نورد أنجليا الدولية في أبوظبي ويشغل الآن منصب المدير العالمي لشؤون القبول في نورد أنجليا، إنه على الرغم من أن أولياء الأمور يتوقعون نتائج الامتحانات الممتازة التي تحققها مدارسنا، فإنهم يرغبون بشكل متزايد في فهم ما يعنيه الذكاء الاصطناعي لنمو أطفالهم.
وجوابه أن سنوات الطفولة المبكرة أثمن من أن تُملأ بمجرد سيل من المحتوى المعروض على الشاشات. "في نورد أنجليا، نحتفل بالطفولة ونحتضنها. ونوفّر بيئةً تنمّي العقول المتسائلة".
يقول كولينان إن السنوات الأولى من التعليم أساسية لتنمية الفضول والإبداع إلى جانب التفكير النقدي والتعاطف، وهي مهارات ترافق الطفل طوال حياته. لهذا السبب تُعرض أعمال الطلاب المكتوبة بخط اليد على جدران فصولنا الدراسية، ولهذا السبب تقع المكتبة في قلب المدرسة، ويمارس الأطفال الحساب الذهني، وكل ذلك بهدف تنمية تفكيرهم وربطهم بحياتهم الواقعية.
ويشكّل هذا كله أساسًا جوهريًا. ويقول: "نحن نعلّم أطفالنا طرح الأسئلة الصحيحة عمّا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفعله لجعل العالم مكانًا أفضل لهم وللآخرين". "ونريد أن يتمتع الشباب بالتعاطف والبصيرة اللازمين لفهم المخاطر والفرص الكامنة في الذكاء الاصطناعي".
في السنوات الأولى من التعليم، تتبنى مدارسنا نهجًا حذرًا ومدروسًا تجاه الأجهزة الشخصية والشاشات، مفضلةً اللعب والاستكشاف. ومن المرحلة المتوسطة فصاعدًا، تُستخدم الشاشات والذكاء الاصطناعي حيث تقدم فائدة واضحة.
تقول إميلي ميرفي، رئيسة البحوث التربوية: "عندما تفكر أولاً ثم تستخدم الذكاء الاصطناعي، يمكنه حينها أن يساعد في تحسين تفكيرك". "أما عندما تستخدم الذكاء الاصطناعي أولاً ثم تفكر، فإنه يعيقك".
يعمل المعلمون في جميع مدارسنا على بناء عادات التفكير النقدي من خلال "روتينات تفكير" بسيطة. إحداها تتألف من خمس كلمات فقط: "ما الذي يجعلك تقول ذلك؟". سواء عند وصف لوحة في سن السادسة أو اقتراح حل تصميمي في سن السادسة عشرة، يُشجَّع الطلاب على شرح الأساس الذي بنوا عليه استنتاجهم، لا على مجرد بلوغ الإجابة.
يتأمّل الطلاب أيضًا في كيفية تعلّمهم، ويدوّنون أفكارهم في ملف أعمال إلكتروني يمكن للمعلمين الاطلاع عليه والرد عليه. وقد أُضيف أكثر من 500,000 تأمل حتى الآن، ويقول 85% من الطلاب إنهم صاروا يفهمون نقاط قوتهم في التعلّم بشكل أفضل. يجمع البرنامج بين روتينات التفكير التي طُوّرت بالتعاون مع كلية بوسطن وأساليب البحث المستمدة من "مشروع صفر" (Project Zero) في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة هارفارد.
تصبح هذه العادات مهمة بشكل خاص عندما يبدأ الطلاب في استخدام الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، ومن خلال تعاوننا العالمي مع معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، استعان طلاب يصممون روبوتًا مستوحى من بيولوجيا الحيوان بالذكاء الاصطناعي لتقييم المفاضلات بين المواد الطبيعية، ثم أوقفوه واعتمدوا على حكمهم الشخصي في وضع اللمسات النهائية على تصميماتهم.
اتبع طلاب الصف الرابع في مدرسة H-FARM الدولية التابعة لنا نهجًا مماثلاً عند إنشاء متحف افتراضي مستوحى من متحف غوغنهايم. بعد البحث في الفن والتاريخ وبناء تجربة ثلاثية الأبعاد، استخدم الطلاب الذكاء الاصطناعي لصقل طريقة عرض أعمالهم مع احتفاظهم بالمسؤولية عن القصة التي أرادوا سردها.
وينطبق هذا على جوانب أخرى أيضًا.
تستكشف أبحاث جديدة من نورد أنجليا كيف يمكن للمدرسين المدعومين بالذكاء الاصطناعي تسريع عملية التعلّم للطلاب. يمكن للتكنولوجيا أن تساعد الطلاب الوافدين على فهم اللغة الإنجليزية والمفردات المستخدمة في الدروس بشكل أفضل، وأن توفّر في الوقت نفسه تحديًا أكبر للطلاب الذين تجاوزوا مستوى المنهج الدراسي. يساعد المشروع أيضًا المعلمين على تخصيص تجربة التعلّم لكل طالب على حدة. يقدّم الذكاء الاصطناعي رؤى معمقة، لكن المعلمين هم من يقررون أفضل السبل للاستفادة منها في الفصل الدراسي.
تقول ميرفي، وهي معلمة سابقة: "يكون التدريس أكثر متعة عندما ينخرط الأطفال بفاعلية ويتساءلون ويبنون على أفكار بعضهم بعضًا". وهذه العادات تحديدًا هي التي تساعد الطلاب على تعلم التفكير بأنفسهم.
يساعد تعليم مهارات التفكير النقدي على تنمية ثقة الطفل في قدرته على التفكير المنطقي وإصدار الأحكام. وهذا بدوره يشجع الأطفال على مساءلة إجابات الذكاء الاصطناعي الواثقة التي قد تكون سطحية أحيانًا.
عندما يدخل طلابنا عالم العمل، فإن قدرتهم على توظيف التفكير النقدي في طريقة استخدامهم للذكاء الاصطناعي وفي تعاملهم مع المهام الصعبة الأخرى تمنحهم ميزة كبيرة.
في تقرير حديث، وضع المنتدى الاقتصادي العالمي التفكير النقدي على رأس المهارات الأكثر قيمة لدى أصحاب العمل، وصنف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة على أنهما الأسرع نموًا بين تلك المهارات. يرى البنك الدولي أنه مع استيعاب التكنولوجيا للأعمال الروتينية، يصبح الأكثر قيمة من العاملين هم من يمتلكون مهارات إنسانية إلى جانب المهارات الرقمية. فهم على دراية كافية بالذكاء الاصطناعي لاستخدامه على الوجه الصحيح، ولديهم من الرسوخ ما يكفي لإدراك حدوده.
كل محادثة يجريها ليام كولينان مع أولياء الأمور حول الذكاء الاصطناعي تنتهي بسؤال: "كيف تعلمون طفلي أن يفكر بنفسه؟" تكمن الإجابة في كل ما نقوم به: الاستخدام الحذر لوقت الشاشة، والتعلم من خلال اللعب، وتنمية التفكير النقدي قبل اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي، والتأمل المنتظم. إنها سنوات من القرارات الصغيرة المتخذة بترتيب مدروس، وكلها قائمة على الأبحاث.
لن تتباطأ وتيرة التغيير التكنولوجي أبدًا. سيصبح الذكاء الاصطناعي أمرًا روتينيًا، ومن المرجح أن تتبعه أدوات جديدة أشد قدرة.
في السنوات القادمة، سيزدهر من البالغين أولئك الواثقون من مهاراتهم، الذين لا يجدون غضاضة في تبنّي أي تكنولوجيا تُطرح واستخدامها دون أن تصبح عكازًا يتكئون عليه. في مدارسنا، نؤمن بأن بناء تلك المهارات هو من أهم الأمور التي يمكننا القيام بها لضمان الاستفادة من جميع مزايا مرحلة الطفولة.
We use cookies to improve your online experiences. To learn more and choose your cookies options, please refer to our cookie policy.